
إيماننا أن وحي الكتاب المقدس هو وحيًا لفظيًا/ حرفيًا لا يمكن مساواته بفكر ة الوحي الإملائي أو الميكانيكي
يونيو 15, 2026ملخص عن عدم قانونية أسفار الأبوكريفا
١- المجمع اليهودي العظيم (كنيست ها-جدولاه)
يخبرنا علماء اليهود والتقاليد اليهودية أن الإصلاح الذي تم في القرن الخامس قبل الميلاد وتوضحه لنا أسفار عزرا ونحميا في العهد القديم، لم يكن مجرد أحداث حدثت وانتهت في خلال سنوات قليلة. لكن بحسب المصادر اليهودية، امتد هذا الإصلاح ليُشكِل مجمع يهودي مُكون من ١٢٠ قائد (من ضمنهم، في الحقبة المبكرة للمجمع، أنبياء من العهد القديم مثل عزرا ونحميا وملاخي وغيرهم). وقد خدم هذا المجمع اليهودي من وقت إصلاح عزرا في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد وحتى قرابة الربع الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد تقريبًا. وقد تركزت مساعيه في الحفاظ على أسفار العهد القديم، وتحديد التقاليد الشفوية اليهودية المُعتبرة، وإقرار قانونية الأسفار الموحى بها، وشروط هذه القانونية، لمنع أي كتابات دخيلة من الاستقرار في الوعي اليهودي.
وقد أقر المجمع اليهودي العظيم بقانونية الأسفار الاثنين والعشرين (٢٢ سفر) بحسب التقسيمة اليهودية، وهذه الأسفار الاثنين والعشرين هي نفسها أسفار العهد القديم التسع والثلاثين (٣٩ سفر ع. ق.) الموجودة عندنا اليوم، لكن تم دمج بعض الأسفار معًا؛ كالأسفار المكونة من جزءين (مثل الملوك والأخبار.. إلخ..)، وتم دمج أسفار الأنبياء الصغار الاثني عشر في كتاب واحد، وهكذا صار العدد ٢٢ بدلاً من ٣٩، لكن المحتوى يتطابق تمامًا مع ما في أيدينا من أسفار العهد القديم.
٢ – تأليف كتب الأبوكريڤا في فترة توقف الوحي!
خلال العقود الأخيرة للمجمع العظيم (قرابة الربع الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد) وفي السنين التي أعقبته – خلال فترة الصمت النبوي – كُتبت بعض الكتب التاريخية اليهودية التي سميت فيما بعد بالأبوكريڤا (چيروم فيما بعد هو مَن أطلق عليها هذه التسمية في القرن الرابع، وكان يعني بها الكتب الغامضة / غير القانونية/ التي لا تصلح لإثبات عقائد!) وجدير بالذكر أن المجمع العظيم لم يعتبر الأسفار التي كُتبَت من الأبوكريفا أثناء سني انعقاده.
هذه الكتب كُتبت في الفترة المعروفة بفترة الصمت النبوي (ما بين العهدين)، وهي تحتوي بداخلها شهادة تاريخية (مثل شهادة أسفار المكابين) عن توقف النبوة وعدم وجود أنبياء في خلال هذا الوقت! وهي مجرد كتب تاريخية غير موحى بها ولم يعترف بها اليهود أنفسهم ككتب قانونية (ولا المجمع العظيم، كما سبقت الإشارة)!
٣ – الترجمة السبعينية
بعد إتمام كتابة هذه الكتب بفترة قصيرة أراد الملك بطليموس الثاني جمع كل علوم وثقافات العالم في مكتبة الإسكندرية، واقترح عليه أمين المكتبة آنذاك ترجمة كتابات اليهود، فأرسل الملك ودعا ٧٢ شيخ يهودي أوكل إليهم بترجمة أسفار موسى الخمسة، وبالفعل أتموها في ٧٠ يوم.
ثم توالت ترجمة باقي الأسفار في السنوات اللاحقة، ولأن المترجمون كانوا يترجمون “أدب يهودي” كجزء من آداب الثقافات المختلفة التي أرادوا أن يملأوا بها مكتبة الإسكندرية، ترجم المترجمون كتب الأبوكريفا إلى اليونانية ودمجوها مع ترجمة أسفار العهد القديم! وهذا مثبت تمامًا، ويوضح أن دمج هذه الكتب كان في جوهره مشروع ترجمة وليس إقرار قانونية!
٤ – مجمع چامنيا ٩٠ ميلادية
عقد اليهود مجمع مهم سنة ٩٠ ميلادية وهو مجمع چامنيا، والذي عُقد بعد هدم الهيكل بعشرين عام، للحفاظ على الإرث اليهودي. أقر هذا المجمع وأكد على قانونية الأسفار ال٢٢ (هم ذاتهم ال٣٩ الموجودين عندنا) والتي أقرها المجمع اليهودي العظيم سابقًا، ورفض تمامًا مجمع چامنيا الاعتراف بقانونية أي أسفار أخرى بما فيها أسفار الأبوكريڤا، وقام بإثبات حقيقة كونها مجرد كتب تاريخية مكتوبة خلال فترة توقف الوحي (ال٤٠٠ سنة صمت نبوي).
٥ – خطأ أغسطينوس ومسئوليته في الخلط، والتشويش حول القانونية:
في القرن الرابع الميلادي، نقل قسطنطين عاصمة الإمبراطورية من روما إلى القسطنطينية، وهذا أدى إلى صعود كرسي القسطنطينية كمنافس لكرسي روما، بلغت هذه المنافسة أشدها بعقد مجمع مسكوني في القسطنطينية عام ٣٨١م. والذي أقرت فيه عقيدة الروح القدس في صياغتها النهائية. هذا أدى بروما إلى محاولة رد اعتبارها كرد فعل لعقد المجمع المسكوني في القسطنطينية! فبدأت تتحرك كحامي للعقيدة بأدوات مختلفة، كان أحد هذه الأدوات هو الدفع في محاولات لخلق سياق لتثبيت قانونية أسفار الأبوكريڤا ووضعها ضمن الأسفار القانونية، وكان هذا السياق هو مشروع ترجمة جديد! لذا، تم تكليف چيروم من بابا روما بترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينية (فيما عرف بترجمة الڤولجاتا)، مع وضع السبعينية بكتبها كمرجعية لما ينبغي أن يترجم، مما يشمل ضمنًا ترجمة الأبوكريفا!
لكن چيروم قرر أن يترجم اعتمادًا على النصوص العبرية، ملتزمًا فقط بالأسفار المعترف بها قانونيًا من المجامع اليهودية والتي تُشكِل أسفار العهد القديم ال٢٢ (نفس ال٣٩ الموجودين معنا)!
في هذا الوقت، كان التقارب بين أغسطينوس وكرسي روما يأخذ منحنى خطير. إذ انتمى أغسطينوس بكرسيه في شمال إفريقيا قلبًا وقالبًا إلى كرسي روما! وكان يعلن في كل مكان: “روما تكلمت فانتهت القضية!” لذا، قاد أغسطينوس معارضة شديدة ضد چيروم ليجبره على الالتزام بترجمة جميع الكتب التي ترجمت في السبعينية، بما فيها ترجمة كتب الأبوكريڤا!
اعترض چيروم اعتراضًا شديدًا وأوضح عدم اعتراف اليهود أنفسهم بهذه الكتب! وجادل بأن إدماج هذه الكتب كان مشروع ترجمة وليس فيه أي إشارة للقانونية، وسمى الكتب “أبوكريڤا” ليُثبِت وجهة نظره!
أُجبِر چيروم في النهاية من أغسطينوس المتحالف مع كرسي روما على الترجمة! فترجم، لكنه كتب مقدمات تحذيرية لهذه الكتب يوضح بها عدم قانونيتها! بعد موت چيروم، دُمِجَت الترجمة معًا وحُذفت التحذيرات!
بدراسة السياق المباشر، يمكن أيضًا ملاحظة أن أحد أهداف أوغسطينوس من إصراره على دمج هذه الكتب لم يكن فقط لتقوية موقف كرسي روما، لكن أيضًا لتقوية موقفه الشخصي حول عقيدة المطهر التي تجد نصوص تثبتها في هذه الكتب، والتي صارت بعد هذا أحد عقائد روما الأساسية!
٦ – العناد والصراع بين الإصلاح الغربي والكاثوليك:
في القرن السادس عشر، أعاد المصلحون التأكيد على رأي المجمع العظيم ومن بعده مجمع چامنيا (٩٠م.) ومن بعده موقف چيروم (٣٨٢م.) حول قانونية الأسفار ال٣٩ (أو ال٢٢) ورفض أي كتب أخرى والتأكيد على اعتبارها كتب أدبية تاريخية وغير قانونية. ردًا على موقف الإصلاح، أقرت الكنيسة الكاثوليكية بشكل رسمي قانونية كتب الأبوكريڤا في مجمع ترنت ١٥٤٦ وأصدروا قرار بمساواتها مع أسفار العهد القديم القانونية، وأمروا بحذف والتخلص من تحذيرات چيروم بشأن هذه الكتب بشكل نهائي!
الكاتب
دكتور ثروت ماهر
دكتوراة في اللاهوت التجديدي وتاريخ الكنيسة من جامعة ريچينت بڤيرچينيا (PhD, 2019)
العميد الأكاديمي لكلية لاهوت الإيمان ورئيس قسم الدراسات اللاهوتية والتاريخية بالكلية.

