تنوع القرائن الجغرافية والثقافية للمسيحية المبكرة

ملخص عن عدم قانونية أسفار الأبوكريفا
يونيو 15, 2026

أولاً: شرح أصل معنى التنوع الجغرافي والثقافي للمسيحية المبكرة

في سفر أعمال الرسل والإصحاح الثاني نجد أول إشارة إلى ما يُعرف بانتشار المسيحية في قرائن جغرافية وثقافية متنوعة. فقد وافق يوم عيد الخمسين – عيد الأسابيع – عند اليهود يوم تحقيق الوعد بحلول الروح القدس على المائة والعشرين المجتمعين في أورشليم. وحلَّ الروح القدس على المجتمعين انتظارًا لموعد الآب في يوم الخمسين نفسه! إذ يخبرنا الكتاب المقدس أنه: “لَمَّا حَضَرَ يَوْمُ ٱلْخَمْسِينَ كَانَ ٱلْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلَأَ كُلَّ ٱلْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَٱسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم.  وَٱمْتَلَأَ ٱلْجَمِيعُ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَٱبْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ ٱلرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا. وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ سَاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا صَارَ هَذَا ٱلصَّوْتُ، ٱجْتَمَعَ ٱلْجُمْهُورُ وَتَحَيَّرُوا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ. فَبُهِتَ ٱلْجَمِيعُ وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «أَتُرَى لَيْسَ جَمِيعُ هَؤُلَاءِ ٱلْمُتَكَلِّمِينَ جَلِيلِيِّينَ؟ فَكَيْفَ نَسْمَعُ نَحْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لُغَتَهُ ٱلَّتِي وُلِدَ فِيهَا؟  فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلَامِيُّونَ، وَٱلسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ ٱلنَّهْرَيْنِ، وَٱلْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا. وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ، وَنَوَاحِيَ لِيبِيَّةَ ٱلَّتِي نَحْوَ ٱلْقَيْرَوَانِ، وَٱلرُّومَانِيُّونَ ٱلْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلَاءُ، كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ، نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا بِعَظَائِمِ ٱللهِ!”

وواضح من خلال الآيات هذا التنوع الكبير في المناطق الجغرافية والخلفيات الثقافية التي حضر منها اليهود الأتقياء للاحتفال بعيد الخمسين، إذ يوضح القديس لوقا بالروح القدس قائلاً: “من كل أمة تحت السماء”! وإذا بهؤلاء جميعًا يرون ويعايشون حلول الروح القدس على المائة والعشرين ويسمعونهم يتكلمون بعظائم الله بألسنتهم كبرهان على حلول الروح القدس عليهم. ثم يعظ الرسول بطرس عظته الأولى بعد حلول الروح القدس والتي يسمعها هؤلاء المجتمعون من كل مكان. ويؤمن ثلاثة آلاف نفس بالرب يسوع مخلصًا وربًا من خلال الحق المُعلن في هذه العظة بالروح القدس. وبالتأكيد كان من ضمن هؤلاء الثلاثة آلاف كثيرون من هؤلاء اليهود الأتقياء الغرباء عن أورشليم، والذين سيعودون إلى البلاد التي أتوا منها وقد آمنوا بالرب يسوع المسيح من خلال عظة الرسول بطرس. وهذه أول إشارة نجدها لانتشار الإيمان المسيحي في مناطق جغرافية وخلفيات ثقافية متنوعة، ويتضح فيها تمامًا وحدة جوهر رسالة الإنجيل التي سمعها هؤلاء المجتمعين من خلال عظة الرسول بطرس، والتي حملوها معهم كما هي إلى البلاد التي عادوا إليها.

ثم تتوالى الإشارات الكتابية من خلال سفر الأعمال الذي يصف رحلات الرسول بولس إلى مناطق جغرافية وخلفيات ثقافية متنوعة تؤكدها لنا أيضًا البلاد المُرسَل إليها رسائل العهد الجديد. كما يخبرنا تاريخ الكنيسة عن الرسل والتلاميذ الذين حملوا الرسالة أيضًا إلى مناطق جغرافية وبلاد متنوعة حول العالم، مثل مرقس الذي أتى بالمسيحية إلى مصر، وتوما الذي ذهب بالمسيحية إلى الهند، وهذا على سبيل المثال لا الحصر! وكنتيجة لهذا الانتشار الواسع، صار عندنا مسيحيون من خلفيات مختلفة في مناطق جغرافية متنوعة، وقد اختلفت أنماط ممارساتهم وعبادتهم في أحيان كثيرة بحسب ثقافتهم من دون الإخلال بجوهر الإيمان المسيحي.

فنجد في أورشليم مسيحية بطابع يميل إلى الخلفية اليهودية وما ارتبطت به من تقاليد. بينما نجد في أنطاكية مسيحية ضمت الأمم بخلفيتهم البعيدة عن الخلفية اليهودية. “وَلَكِنْ كَانَ مِنْهُمْ قَوْمٌ، وَهُمْ رِجَالٌ قُبْرُسِيُّونَ وَقَيْرَوَانِيُّونَ، ٱلَّذِينَ لَمَّا دَخَلُوا أَنْطَاكِيَةَ كَانُوا يُخَاطِبُونَ ٱلْيُونَانِيِّينَ مُبَشِّرِينَ بِٱلرَّبِّ يَسُوع.  وَكَانَتْ يَدُ ٱلرَّبِّ مَعَهُمْ، فَآمَنَ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَرَجَعُوا إِلَى ٱلرَّبِّ” (أع ١١: ٢٠). وقد أدى هذا الاختلاف إلى رغبة اليهود في جعل الأمم يتهودون للدخول إلى المسيحية، مما أدى بالرسل إلى معالجة هذه القضية والاتفاق على أن لا يتهود الأمم مع التزامهم بالعطاء لكنيسة أورشليم كما يتضح من أحداث مجمع أورشليم الذي يخبرنا به سفر الأعمال والإصحاح الخامس عشر.

أيضًا نجد في مصر المسيحية ذات الطابع القبطي الذي يمتاز باستخدام اللغة القبطية في العبادة والفن القبطي في التعبير عن الإيمان المسيحي، واستخدام الأقباط الألحان الشجنية في العبادة، والابتعاد عن التعبير الحركي أو استخدام الآلات الإيقاعية الصاخبة. بينما نجد في إثيوبيا (والتي كانت لوقت طويل تحت رئاسة كنيسة مصر القبطية) نمط آخر من العبادة المسيحية التي تُدمج التعبير الحركي والدفوف الصاخبة في عبادتها! وإذا التفت الدارس إلى شمال إفرقيا، سيجد مسيحية شمال إفريقيا مُعبَرًا عنها بنمط ثقافي مختلف عن أنماط مصر وإثيوبيا وأورشليم وأنطاكية! وهكذا أيضًا المسيحية الرومانية في أوروبا، والمسيحية في آسيا الصغرى؛ كل منطقة جغرافية مُعبِرة عن إيمانها المسيحي بنمط ثقافي يختلف عن الأخرى. لكن مع حفظ جوهر الإيمان المسيحي.


ثانيًا: النظريات الخاطئة حول تنوع القرائن الجغرافية والثقافية للمسيحية المبكرة

على الرغم من وضوح أساسات وحدة الإيمان المسيحي تاريخيًا في الخلفيات الجغرافية والثقافية المتنوعة، وثبوت مناقشة الاختلافات حينما تستحق الاجتماع والمناقشة (مثلما حدث في المجمع الأول في أورشليم)، انحرف العالِم الألماني والتر باور ١٨٧٧ – ١٩٦٠ – (Walter Bauer) – في شرحه لهذا التنوع الثقافي الواضح المُلاحَظ في المناطق الجغرافية المختلفة لانتشار المسيحية المبكر، إذ شرح باور التنوع ليس بكونه تنوع ثقافي (فقط) نتج عنه اختلاف في شكل الممارسات، لكن بكونه اختلاف في جوهر المسيحية ذاته! إذ لم يرى باور المسيحية المبكرة كمسيحية موحدة الجوهر مع اختلاف في أنماط الممارسات بحسب الثقافات المتنوعة، كما شرحنا، لكنه رأي “مسيحيات” مختلفة الجوهر! ربما تكون صياغة باور لهذه النظرية الخاطئة جاءت متأثرة بما وجده باور من ممارسات منحرفة، مستندة على هرطقات. وهذه الممارسات المنحرفة كانت موجودة بالفعل في بعض المناطق، لكن الخط الفاصل بينها وبين الممارسات المستقيمة كان واضحًا للجميع! فمثلاً لن يختلف اثنان على عدم استقامة استخدام الخبز واللبن كعناصر للإفخارستيا بدلاً من الخبز والخمر! فهذه ممارسة منحرفة بالتأكيد رغم تصويرها في سفر أعمال توما المزيف على أنها ممارسة موجودة في السياق السرياني! لكن والتر باور – في الحقيقة – لم يضع حدًا فاصلاً في دراساته بين الإيمان المستقيم والهرطقة، أو بين الممارسات المستقيمة والانحرافات غير المقبولة! لذا، تعامل مع الأنماط المرفوضة بالفعل من المسيحية الحقيقة على أنها “مسيحيات” أخرى، مساويًا الوزن النوعي لجميع الممارسات من دون تمييز. لذا، انحرف إلى رؤيته للمسيحية المبكرة على أنها مسيحيات مختلفة الجوهر!

جاء بعد باور، حديثًا، دارس آخر وهو بارت إيرمان (Bart Ehrman)، ليستند على نظرية باور ويكمل عليها في كتابه “المسيحيات المفقودة” (المنشور عام ٢٠٠٣)، بأن هذه المسيحيات المزعومة تنازعت معًا حتى ساد نمط وجوهر المسيحية التي استمرت وهي التي نجدها الآن.

يمكننا بسهولة ملاحظة انتماء هذه الدراسات لدائرة الدراسات الليبرالية (المُتحررة تحررًا ليس صحيحًا من أصول الإيمان المسيحي)، والتي لا تلتزم بثوابت الإيمان المسيحي، لكن تُمَوِع الحقائق بخلط الإيمان المستقيم مع الانحرافات والهرطقات، والتعامل مع كل الموجود على أنه لازم الوجود، ومع كل الاتجاهات (بغض النظر عن توافقها مع الحق الكتابي) على أنها ذات وزنٍ نوعي وثِقَلٍ متساوٍ!

والآن، انتقل بك عزيزي القاريء إلى تفنيد وإثبات خطأ نظرية باور وإيرمان.


ثالثًا: نقد وتفنييد ديل كولتر (Dale Coulter) لنظريات والتر باور وإيرمان الخاطئة

قام البروفيسور كولتر وعلماء آخرين بنقد وتفنيد وإثبات خطأ نظرية باور من خلال ثلاثة محاور:

١- الرسل والأنبياء المتجولين: أوضح كولتر أن أحد سمات المسيحية المبكرة كانت خدمة الرسل والأنبياء المتجولين، والتي نجدها في الكتابات المبكرة كالديداخي (راجع فصول الرسل والأنبياء المتجولين)، ونجدها في الكتاب المقدس كخدمة الرسول بولس وفريقه حيث يتنقلون في رحلاتهم التبشيرية بين الأماكن الجغرافية المختلفة كبلاد دمشق وأنطاكية ومدن آسيا الصغرى وأوروبا وأورشليم حيث المجمع الأول وغيره، ونجد أن بعض هؤلاء الخدام الذين رافقوا بولس هم أنفسهم من ذهبوا لشمال إفريقيا (ليبيا والمدن الخمسة) ومصر مثل برنابا ويوحنا مرقس، والآن كيف يكون جوهر ومحتوى المسيحية مختلفًا (كما يزعم باور) في هذه الأماكن الجغرافية، وهؤلاء الخدام يذهبون بنفس الرسالة؟! إذا كان جوهر المسيحية مختلفًا في هذه المناطق الجغرافية، كنا رأينا نزاعات مع وبين هؤلاء الخدام!! وكنا لاحظنا عدم قبول الرسالة من هذه الكنائس التي تختلف جوهر مسيحيتها كما يزعم باور، وهذا لم يحدث أبدًا! فكل هؤلاء الخدام والرسل والأنبياء المتجولين حملوا نفس جوهر الإنجيل في كل مكان ذهبوا إليه!

٢- الرسائل الدوارة: البرهان الثاني الذي يقدمه كولتر هو تعليم الرسل والكتابات الإنجيلية التي كانت تدور على الكنائس في المناطق الجغرافية المختلفة لقراءتها، والتي تشمل أسفار العهد الجديد بما فيها من كتب كالأناجيل وأعمال الرسل وسفر الرؤيا، ورسائل مكتوبة بواسطة الرسل للكنائس (كرسائل بولس وبطرس ويوحنا) والتي كانت تُسلم للقراءة من كنيسة لأخرى. قدمت هذه الكتابات نفس محتوى الإيمان وجوهره، فكيف يكون جوهر الإيمان مختلفًا في المناطق الجغرافية المختلفة، وجميعها يقرأ نفس الكتب والرسائل الدوارة؟!

٣- المجامع: أن ما بين يدينا من أسفار العهد الجديد وكتب تاريخ الكنيسة يوضح لنا بالفعل الاختلافات الحقيقية التي حدثت وكيف تعاملت معها الكنيسة بدءًا من المجمع الأول في أورشليم (أع ١٥) والذي بُحث فيه مسألة تهود الأمم، وحسم الرسل الجدال، ومكتوب عندنا اتفاقهم معًا (مع ملاحظة أن أساس الخلاف اللاهوتي هنا هو تعدد خلفيات ناتج عن انتشار الإيمان في جغرافيات مختلفة). ومن بعد مجمع أورشليم يخبرنا تاريخ الكنيسة بالمجامع المختلفة كنيقية (٣٢٥)، والقسطنطينية (٣٨١)، وأفسس (٤٣١)، ثم خلقيدونية (٤٥١)، وتخبرنا تاريخ هذه المجامع بالاتفاقات والاختلافات، ويمكن تمييز خلقيدونية كأول انقسام فعلي بين الكراسي الرسولية الخمسة! إذًا، فلا مسيحيات متعددة ولا مسيحيات متنازعة! بل مسيحية واحدة موحدة الجوهر حينما حدث فيها انقسام ظهر واضحًا لاهوتيًا وفي أماكنه الجغرافية التي يثبتها ويوضحها التاريخ!

الكاتب
دكتور ثروت ماهر
دكتوراة في اللاهوت التجديدي وتاريخ الكنيسة من جامعة ريچينت بڤيرچينيا (PhD, 2019)
العميد الأكاديمي لكلية لاهوت الإيمان ورئيس قسم الدراسات اللاهوتية والتاريخية بالكلية.